الغزالي
51
إحياء علوم الدين
وافتدى من الفريقين بمن هو أعقل عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء يا نفس ما أعجب أمرك ، وأشد جهلك ، وأظهر طغيانك ! عجبا لك ، كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجلية ! ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه ، وأدهشك عن فهمها ، أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك ، فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك وأطاعك ، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك ، وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك ولا ذكر من ذكرك ، كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك ؟ ف * ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ من أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) * « 1 » فكيف تبيعين يا نفس ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى أكثر من خمسين سنة إن بقي ؟ هذا إن كنت ملكا من ملوك الأرض ، سلم لك الشرق والغرب ، حتى أذعنت لك الرقاب ، وانتظمت لك الأسباب ، كيف ويأبى إدبارك وشقاوتك أن يسلم لك أمر محلتك بل أمر دارك فضلا عن محلتك ؟ فإن كنت يا نفس لا تتركين الدنيا رغبة في الآخرة لجهلك وعمى بصيرتك ، فما لك لا تتركينها ترفعا عن خسة شركائها ، وتنزها عن كثرة عنائها وتوقيا من سرعة فنائها ، أم مالك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها ؟ وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا تخلو بلدك من جماعة من اليهود والمجوس يسبقونك بها ، ويزيدون عليك في نعيمها وزينتها ؟ فأف لدنيا يسبقك بها هؤلاء الأخساء . فما أجهلك ، وأخس همتك ، وأسقط رأيك إذ رغبت عن أن تكوني في زمرة المقربين من النبيين والصديقين ، في جوار رب العالمين أبد الآبدين ، لتكوني في صف النعال من جملة الحمقى الجاهلين أياما قلائل . فيا حسرة عليك أن خسرت الدنيا والدين فبادرى ويحك يا نفس فقد أشرفت على الهلاك ، واقترب الموت ، وورد النذير ، فمن ذا يصلى عنك بعد الموت ؟ ومن ذا يصوم عنك بعد الموت ؟ ومن ذا يترضى عنك ربك بعد الموت ؟ ويحك يا نفس ، ما لك إلا أيام معدودة هي بضاعتك ، إن اتجرت فيها وقد ضيعت أكثرها ، فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك ، فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك ؟ أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك ، والقبر بيتك
--> « 1 » مريم : 93 .